على مساحة واسعة من شمال المملكة العربية السعودية، تقع منطقة تبوك تجوب الذاكرة فيها بين القديم والحديث لترجع إلى الوراء قروناً عديدة، وعلى الرغم من اختلاف الآراء في تسمية منطقة تبوك فإن المقطوع به من الرأي أنها كانت معروفة قبل الإسلام، وقبل الغزوة التي أطَّرت لتاريخها بشكل كبير ولافت، فهي معروفة من قبل باسم TABU أو TABOO، وكلاهما يعني المنطقة المنعزلة، ولكن المشهور أن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي أسست وأرخت فعلياً لهذه المنطقة، فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس ماءها شيئاً حتى آتي) يأتي شاهداً واضحاً على الاسم، حيث اشتهرت بعد ذلك بهذه الغزوة التي كان لها عظيم الأثر في فتوحات الإسلام حينما أصبحت ثغراً شمالياً يُعتدّ به ويركن إليه بعد أن كانت حاضرة تاريخ قديم يرجع إلى أكثر من خمسمئة سنة قبل الميلاد، ويعتقد الكثير من المؤرخين أن منطقة تبوك كانت أرض مدين ودادان كما وردت أسماؤها في الكتب المقدسة، ولعل الآثار المنتشرة فيها تشهد بذلك.
يشكل الموقع الجغرافي لمنطقة تبوك عاملاً مؤثراً في المقومات الاقتصادية والسياحية للمملكة، فهذه المنطقة تقع في الجزء الشمالي الغربي في المملكة بين دائرتي عرض 26.30 - 30 شمالاً، وخطي طول 34.30 - 40 شرقاً، ويحدها من الشمال والشمال الشرقي الأردن ومنطقة الجوف، ومن الشرق منطقة حائل، ومن الجنوب المدينة المنورة، ومن الغرب البحر الأحمر وخليج العقبة، وتبلغ مساحتها الإجمالية (116.400) كيلو متر مربع تقريباً، وهو يعادل 5% من مساحة المملكة.
يعد مناخ تبوك من المناخات التي تجمع قدراً من التفاوت المقبول والمحبب، وهي في هذا المناخ تجذب إليها الكثير، وتؤكد الأشكال الجغرافية أن درجات الحرارة والرطوبة تشكل قبولاً جغرافياً مناسباً، فالحرارة في متوسطها صيفاً من (25) درجة مئوية إلى (40) درجة مئوية في الحد الأقصى صيفًا، ومن (5) درجات مئوية إلى (25) درجة مئوية في الحد الأقصى شتاءً، أما فترة الجفاف فهي ما بين يونيو وسبتمبر، ولا تزيد الرطوبة عن (20%) صيفاً و (50%) شتاءً، وتزداد درجات الحرارة في فصل الصيف في السهول الساحلية المنخفضة عن متوسط درجات الحرارة.
تجمع منطقة تبوك من التضاريس أشكالاً مختلفة من سهول وجبال وتلال وصحراء، وقد تتداخل هذه الأشكال إلى حد كبير من التواصل والامتداد، وفي منطقة تبوك خمس مناطق:
1 – السهول الساحلية المنخفضة بعرض (50) كم والمرتفعة عن سطح البحر (300) م تقريباً.
2 – سلسلة جبال الحجاز الممتدة محاذاة البحر الأحمر بارتفاع أقصاه (2.580) م في جبل أملج و(2.350) م في جبل شار في ضباء.
3 – التلال المرتفعة إلى الشمال الغربي من منطقة (حسمى) ومعظمها من التكوينات الرملية والصخرية، وتظهر جلياً في جبل اللوز الذي يصل ارتفاعه إلى (2400) متر.
4 – التلال الداخلية المتشكلة من جبال صغيرة ترتفع من (800 - 1000) م، وتغطي نصف مساحة تبوك تقريباً، وتمتد ما بين مدينتي تبوك وتيماء مع الأراضي الزراعية المروية في تبوك وتيماء على حدٍ سواء.
5 – صحراء النفود التي تبدأ من الأجزاء الشرقية لمنطقة تبوك، وتمتد شرقاً إلى المناطق المجاورة.
يتعدد النسيج السكاني في منطقة تبوك تبعاً لاعتبارات كثيرة منها تعدد القبائل، ومنها ما تستقبله من الموظفين والعاملين من المناطق الأخرى، ومنها العامل العسكري الذي يعطي لتبوك بعض الخصوصية السكانية.
بلغ عدد سكان منطقة تبوك (668.000) نسمة حسب احصائيات 1424هـ، ومن المتوقع أن يصل سكان تبوك إلى (1.6) مليون نسمة عام 1450هـ. ويقطن في تبوك المدينة خليط متجانس من السكان تختلف إقامتهم بين الجنوب والغرب والشرق، إضافة إلى سكان الشمال الذين هم أبناء المنطقة السابقين، ولعل اللافت في الشريحة السكانية التبوكية أن هذا النسيج المختلف تجمعه المهام الوظيفية على الغالب، وربما طاب لبعضهم المقام فأقام، فالمدينة العسكرية مقر من هذا النسيج المتعدد باعتبار مسماها، كما يظهر وجود عدد بارز في بعض الأحيان من الأخوة الوافدين بقصد العمل، وربما تكثر رؤية هذه الشريحة في أشهر الحج؛ لأن تبوك تمثل ممراً رئيسًا لحجاج بيت الله.
على هذا الثغر الشمالي وعلى امتداد فسيح من الأرض تتناثر المواقع الأثرية والتاريخية تناثر النجوم في السماء، والمتبصر فيها يسترجع ذاكرة التاريخ ليعود إلى الوراء أكثر من ثلاثة آلاف سنة عاشت فيها أقوام وحضارات، وتركت معالم وآثاراً تجعل هذه المنطقة مكانًا سياحياً وتاريخياً يحوي ذكريات الحضارة والتاريخ، ويشير باهتمام إلى دور هذه المنطقة في سياحة المملكة، وهكذا ارتبط تراث تبوك بعدة ثقافات بدءاً من زمن اليونان والرومان، وانتهاء بحضارة الدولة السعودية المعاصرة، ولكن اللافت أن تبوك كان لها سمة بارزة في التاريخ الإسلامي؛ نظراً لارتباطها بغزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي جاءت باسم (غزوة العسرة).
وقد حظيت تبوك باهتمام ولاة الأمر بصفتها المنفذ الشمالي للحجاج وللمسافرين كما تشهد آثار المنطقة على خدمتها الحجيج منذ القديم، فمن آثار المنطقة ما يشير إلى محطات الحجيج وآثارهم، ولعل هذا الموقع الجغرافي جعلها محط أنظار الكثيرين للاطلاع والتعامل والتأثر والتأثير، وتشهد تبوك اليوم نهضة عمرانية واضحة المعالم، وقد شهدت توسعاً عظيماً في السنوات القريبة السابقة، وفي منطقة تبوك العديد من الصناعات ذات التأثير المحلي والتجارة ذات التأثير المحلي والدولي، وتزخر تبوك بالموروث الشعبي الذي يفرض نفسه على الساحة الاجتماعية، ويظهر هذا الموروث ببعض العادات والتقاليد والمهرجانات الشعبية، مما يعكس بصورة صادقة التصاق المواطن بهذا الموروث الذي يشكل جزءاً من الشخصية، كما تشهد تبوك العديد من الصناعات الحرفية التراثية كصناعة المدى والسيوف، وصناعة الدلال، وصناعة متطلبات مجالس البادية، وما زالت هذه الصناعات تشهد لأهل التراث بدقة العمل والبحث عما يصلح حياتهم الاجتماعية. وهناك حرف كثيرة منها (الجداد، والذراء، والوبار، والتعديل) وغيرها كثير.
يتنازع جمال منطقة تبوك الضافي العديد من المؤثرات الجمالية، ففيها من المناظر البحرية والبرية ما يبهر النظر، ويثلج الصدر، ويسر الخاطر، فهناك الشواطئ الرملية والصخرية المرجانية، وهناك الجزر المتعددة، وهناك الوديان بأشجارها وأعشابها، وهناك الكثبان بانحناءاتها وتعرجاتها، وهناك العيون بمائها وجمالها، والمزارع بأشكالها وأنساقها، وقد كان هذا الاختلاف والتعدد سبباً مباشراً للجمال الطبيعي الواضح في معالمه وحيثياته، فما زالت الطبيعة في منطقة تبوك تصدح بصوت الجمال الإلهي والثروات المعدنية والنباتية والحيوانية. فأمامك ما تريد أيها الزائر والطرق ميسرة للوصول إلى ما تريد.
تحتضن تبوك زائريها عن طريق ثلاث طرق:
الأولى: الطريق الجوي عبر مطار تبوك، الذي يكاد يلتصق بالمدينة الأم دونما مسافة، وهو يرتبط بمطارات المملكة بصفته مطاراً إقليمياً، وكذلك يمكن الوصول إلى تبوك عن طريق مطار الوجه الذي يتعامل مع بعض الرحلات الداخلية (تبوك - الوجه والعكس).
الثانية: الطريق البحري، وهذا يتوفر بتوفر الموانئ التي تستقبل الزوار على اختلاف أجناسهم ومن ذلك، ميناء ضباء، وهو الميناء الرئيسي الذي يشكل عمق التواصل البحري بين منطقة تبوك والدولة الشقيقة مصر.
الثالثة: الطريق البري، الذي ينتظم في أربعة اتجاهات:
أ – منفذ حالة عمار قدوماً من المملكة الأردنية.
ب – منفذ الحديثة قدوماً من المملكة الأردنية أيضاً.
ج – الطريق الساحلي من تبوك إلى جدة ذهاباً وإياباً.
د – الطريق الداخلي من تبوك إلى المدينة المنورة ذهاباً وإياباً. فأهلاً بك أخي الزائر من حيثما أتيت.
تحتل منطقة تبوك مكانة مرموقة من بين مناطق المملكة في الآثار، ذلك لأن الآثار فيها مختلفة الجنس والنسق، فمنها ما يخص حضارة أمم، ومنها ما يخص المرافق والمتطلبات، ومنها ما يخص هذه المنطقة بصفتها نافذة شمالية وتتعدد هذه المواقع على مساحة واسعة، وتأخذ المحافظات في المنطقة نصيبها من هذه الآثار.